مرآة الوطن.. متى نغادر لغة التبرير ونؤسس لإعلام وطني جامع؟
بقلم: مواطن من شعب مصر
تتراكم الأسئلة وتتزاحم الهموم على عتبات المشهد الوطني الراهن، بينما تقف الشاشات والمنصات الإعلامية في كثير من الأحيان عاجزة عن التعبير الحقيقي عن نبض الشارع.
لعل أبلغ ما يعبر عن أزمة الوعي الحالية هو حالة الانفصام بين ما يعيشه المواطن المصري من أزمات وضغوط معيشية يومية، وبين ما يصله عبر قنوات الإعلام الرسمي والتقليدي من رسائل تبدو في كثير من الأحيان ركيكة، منفصلة عن الواقع، بل ومستفزة في طريقتها لتجميل المشهد وتصدير وعود لا تقبلها أبسط قواعد العقل والمنطق.
الإعلام التقليدي.. رواية المؤامرة مقابل غياب النقاش الجاد
إن الاعتماد المستمر على سردية «المؤامرة الكونية» كشمّاعة جاهزة لتفسير كل إخفاق، واستحضار التحديات الكبرى للهروب من فتح نقاشات هادفة، لم يعد يجدي نفعاً. هذا الخطاب الدفاعي الأجوف لا يمنع الأزمات، بل يعمق الفجوة بين المواطن ومؤسساته.
حين تغيب الشفافية وتُدار الظهر للحقائق، تتسع دائرة الشك، وتنشأ فراغات فكرية وسياسية تسعى أطراف عديدة لملئها بأصوات حادة تتصاعد بلا ضوابط، تارة تحت لافتة المعارضة المطلقة، وتارة أخرى باسم حرية التعبير أو الاجتهادات الشخصية المنفلتة التي تكسر كل الحواجز وتؤجج الخلافات.
منبر بديل أم فوضى منسقة؟
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تنوع الآراء، بل في غياب المنصات الاحترافية المنظمة التي تتبنى وجوهاً إعلامية جديدة قادرة على إدارة حوار وطني جاد، عاقل، وهادف. لماذا نخشى فتح المنابر أمام الكفاءات الحقيقية والآراء المتنوعة لاستيعابها والاستفادة منها في صياغة سياسات بديلة؟
إن ترك الساحة بلا قيود واعية لمروجي الخطاب المتطرف أو السطحي سيجعل المرحلة المقبلة ساحة مفتوحة لانشقاقات أعمق وتكتلات فكرية غير مأمونة العواقب. البديل ليس تكميم الأفواه ولا ترك الحبل على الغارب، بل إتاحة مساحات حوارية منضبطة ومسؤولة.
مواجهة الواقع هي طريق استعادة الثقة
بعد تجارب قاسية خاضها الشعب المصري، وكثره أزمات عالمية وإقليمية لا تنتهي، لم يعد الشعب يتقبل الرسائل المطمئنة زائفة البشائر ولا لغة التخدير الإعلامي.
الإقرار بأن هناك سياسات لم تجدِ نفعاً ليس عيباً، بل هو بداية الطريق لتصحيح المسار.
الاعتراف بوجود تجاوزات أهدرت الكثير من إمكانيات الدولة يُعد دليلاً على وعي مؤسسي يرغب في البناء لا الهدم.
المصارحة بالتحديات والمخاطر بشفافية مطلقة هي السبيل الأوحد لاستعادة ثقة المواطن المفقودة ولو نسبياً.
رسالة أخيرة.
إن الوطن يمر بمرحلة دقيقة تحدق بها أخطار جسيمة، ومحاولات التشكيك الممنهجة لا تتوقف. وإذا استمر الإعلام بوجوهه الحالية وآلياته البالية في تقديم رسائل سطحية ومبتسرة، فسيكون هو نفسه السبب المباشر في خلق أزمات جديدة وتوسيع دائرة الشقاق المجتمعي إلى حد لا يُحمد عقباه.
مصر أكبر، وشعبها أعظم وأوعى من أن تُدار شؤونه بخطاب إنشائي مكرر. نحتاج اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى رسالة إعلامية توافقية، مسؤولة، شجاعة، تضع الواقع فوق كل اعتبار، وتجعل من مصلحة الوطن والمواطن بوصلتها الوحيدة.




