مقالات الأعضاء

عندما تفقد الأمم المتحدة ميثاقها… ويصبح العالم أسيرًا لمنطق القوة

بقلم: مواطن من شعب مصر

عندما تتحول قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة من منبرٍ يفترض أن تتساوى فيه الدول والشعوب إلى ساحةٍ تتقدم فيها القوة على القانون، يصبح السؤال مشروعًا: هل ما زالت الأمم المتحدة تؤدي الدور الذي أُنشئت من أجله؟

لم تُنشأ الأمم المتحدة لتكون مجرد قاعة للخطابات أو منصة لتبادل الاتهامات، وإنما جاءت بعد حربين عالميتين لتضع إطارًا دوليًا يحفظ السلم والأمن، ويمنع العدوان، ويفتح الطريق أمام تسوية النزاعات بالوسائل السلمية.

لكن المشهد الدولي اليوم يفرض أسئلة صعبة حول قدرة هذه المنظمة على الوفاء برسالتها، خصوصًا في ظل استمرار الحروب واتساع دائرة الصراعات، وعجز المجتمع الدولي في أزمات عديدة عن الوصول إلى قرارات توقف نزيف الدم.

فلسطين… الاختبار الأصعب

تبقى القضية الفلسطينية واحدة من أوضح الاختبارات التي تكشف أزمة النظام الدولي.
ففي الوقت الذي تستمر فيه الحرب والمعاناة الإنسانية، تبدو قدرة المجتمع الدولي على اتخاذ موقف موحد محدودة، بينما يتكرر استخدام حق النقض داخل مجلس الأمن لتعطيل قرارات تتعلق بوقف الحرب.

والأمر لا يتوقف عند القرارات؛ فقد أثار منع الرئيس الفلسطيني محمود عباس من دخول الولايات المتحدة للمشاركة شخصيًا في اجتماعات الجمعية العامة، مع السماح له بالمشاركة عبر كلمة مسجلة، تساؤلات حول مدى قدرة المنظومة الدولية على ضمان مشاركة متساوية لجميع الأطراف في القضايا التي تمس مستقبل شعوبها.

وهنا لا يتعلق الأمر بشخص أو حكومة، وإنما بمبدأ أوسع:
هل يمكن أن نتحدث عن نظام دولي عادل إذا كانت بعض الأصوات قادرة على الحضور والتأثير، بينما تُقيّد أصوات أخرى؟
من منبر الجمعية العامة إلى مجلس الأمن

تزداد المفارقة وضوحًا عند الانتقال من الجمعية العامة إلى مجلس الأمن.
فالجمعية العامة تضم معظم دول العالم، ويمكن لأغلبية كبيرة من أعضائها أن تعبر عن موقف واضح تجاه قضية ما، لكن هذا الموقف لا يتحول بالضرورة إلى إجراء ملزم، لأن مجلس الأمن يظل صاحب الدور الأساسي في مسائل السلم والأمن، ولأن الدول الخمس دائمة العضوية تمتلك حق النقض.

وهنا تكمن إحدى أزمات النظام الدولي: الفجوة بين إرادة الأغلبية وقدرة المؤسسة على تنفيذها.
ليس الخلل في وجود مجلس الأمن من حيث المبدأ، وإنما في أن آليات اتخاذ القرار داخله أصبحت، في نظر كثير من الدول، بحاجة إلى مراجعة تتناسب مع عالم تغير كثيرًا منذ تأسيس الأمم المتحدة.

نتنياهو… والخطاب أمام العالم

وفي قلب هذا المشهد يقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على منبر الجمعية العامة، مدافعًا عن مواقف حكومته وسياساتها العسكرية، في وقت تواجه فيه إسرائيل اتهامات دولية خطيرة بشأن العمليات في غزة، وهي اتهامات ترفضها الحكومة الإسرائيلية وتؤكد أن عملياتها تستهدف حركة حماس.

المشكلة هنا ليست في أن يتحدث أي طرف أمام المجتمع الدولي؛ فالمنبر الدولي يجب أن يكون مفتوحًا للجميع.
المشكلة الحقيقية هي أن يتحول الخطاب الدولي إلى بديل عن الفعل، وأن تبقى قرارات حماية المدنيين ووقف الحروب رهينةً للتوازنات السياسية.

فالمنبر الذي لا يستطيع أن يحمي الإنسان، ولا يملك آليات فعالة لتنفيذ القانون، معرض لأن يفقد تدريجيًا ثقة الشعوب التي أنشئ من أجلها.

من فلسطين إلى إيران… اتساع دائرة الخطر

ولا تقف الأزمة عند حدود فلسطين.

فالتصعيد في الشرق الأوسط، والحرب والمواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، يطرحان السؤال نفسه بصورة أكثر اتساعًا:

أين يقف النظام الدولي عندما تتحول الخلافات السياسية إلى صواريخ وحروب؟

إذا كان الهدف من الأمم المتحدة منع الحروب قبل اندلاعها، ثم العمل على وقفها عندما تبدأ، فإن استمرار الصراعات واتساع نطاقها يضع المنظمة أمام اختبار حقيقي.

فلا يجوز أن يصبح اللجوء إلى القوة هو الخيار الأول، ولا أن تتحول المؤسسات الدولية إلى شاهد على الأحداث بدلًا من أن تكون أداة لمنعها.

القذافي… سؤال قديم يعود من جديد

ولعل من المفارقات أن هذا السؤال ليس جديدًا.

ففي عام 2009 وقف معمر القذافي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة منتقدًا بنية النظام الدولي وحق النقض، وفي واقعة شهيرة مزق نسخة من ميثاق الأمم المتحدة أمام الجمعية العامة.

قد يختلف العالم مع القذافي في مواقفه وسياساته، لكن المشهد الذي تركه خلفه أصبح رمزًا للاحتجاج على اختلالات النظام الدولي.

وبعد سنوات طويلة، يبدو السؤال أكثر حضورًا:

هل نجح العالم في إصلاح تلك الاختلالات، أم أن بعضها أصبح أكثر وضوحًا؟

المشكلة ليست في فكرة الأمم المتحدة… بل في عجزها عن تحقيق مبادئها

ومع ذلك، فإن انتقاد أداء الأمم المتحدة لا يعني الدعوة إلى هدمها.

على العكس، العالم اليوم يحتاج إليها أكثر من أي وقت مضى.

لكن الحاجة الحقيقية هي إلى إصلاح النظام الدولي: إصلاح مجلس الأمن، ومراجعة آليات استخدام حق النقض، وتعزيز دور الجمعية العامة، وضمان تمثيل أكثر عدالة لشعوب العالم، وربط القرارات الدولية بآليات تنفيذ حقيقية لا تجعل القانون قويًا أمام الضعيف ومترددًا أمام القوي.

فالقانون الدولي لا يمكن أن يستقيم بالانتقائية، والسلام لا يمكن أن يبنى على ميزان القوة وحده.

الخاتمة: ميثاق يحتاج إلى روح

لقد ولد ميثاق الأمم المتحدة من رحم كارثة إنسانية هائلة، وكان وعده الأساسي للعالم أن تكون الحرب آخر الخيارات، وأن يجد الإنسان في المجتمع الدولي ملاذًا عندما تفشل السياسة.
لكن الميثاق وحده لا يكفي.

الميثاق يحتاج إلى إرادة تحميه، والمؤسسات تحتاج إلى استقلال يجعلها قادرة على تطبيقه، والقانون يحتاج إلى مساواة حتى يكتسب احترام الشعوب.

إن استمرار الحروب، واتساع دائرة العنف، واستخدام القوة بعيدًا عن توافق دولي فعّال، وعجز مجلس الأمن في أزمات كبرى، كلها مؤشرات تستوجب إعادة النظر في النظام الدولي لا التخلي عنه.

فالعالم لا يحتاج إلى أمم متحدة جديدة، بقدر ما يحتاج إلى أمم متحدة تستعيد المعنى الذي أنشئت من أجله.
أمم متحدة لا يكون فيها صوت الأقوى أعلى من صوت القانون، ولا تكون فيها حياة إنسان أغلى من حياة إنسان آخر، ولا يكون فيها الاحتلال أقوى من حق الشعوب، ولا تتحول فيها الجمعية العامة إلى منصة للكلمات بينما تُحسم مصائر الشعوب في ساحات الحرب.

فإذا كان القرن الحادي والعشرون قد كشف حدود النظام الدولي بصورته الحالية، فإن مسؤولية الأجيال القادمة أن تعيد بناء نظام أكثر عدلًا، لا تحكمه شريعة القوة، وإنما تحكمه شريعة القانون.

وحينها فقط يمكن أن نقول إن ميثاق الأمم المتحدة لم يعد مجرد وثيقة محفوظة في الأرشيف، بل أصبح عهدًا حيًا لحماية الإنسان وصون السلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى