خطة الخداع الاستراتيجي المصرية صنعت مفاجأة حرب أكتوبر الكبرى
في الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، تتجدد روايات واحدة من أبرز خطط الخداع الاستراتيجي التي سبقت الحرب، والتي اعتمدت على منظومة متكاملة شاركت فيها مؤسسات الدولة والقوات المسلحة والأجهزة السياسية والدبلوماسية والإعلامية، بهدف الحفاظ على سرية موعد الهجوم وإرباك حسابات الجانب الإسرائيلي.
ونجحت القيادة السياسية والعسكرية المصرية، وعلى رأسها الرئيس الراحل محمد أنور السادات، في تنفيذ تحركات وتدريبات وإجراءات متعددة بصورة أوحت بأن القوات المسلحة لا تستعد لشن حرب وشيكة، وهو ما ساهم في تحقيق عنصر المفاجأة مع بدء القوات المصرية عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف.
وقال اللواء أركان حرب سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن خطة الخداع تضمنت الحفاظ على نمط الحياة اليومية للقوات المسلحة بصورة طبيعية، بما لا يثير شكوك الجانب الإسرائيلي بشأن الاستعدادات العسكرية.
وأوضح أن من بين هذه الإجراءات استمرار الجنود في ممارسة أنشطتهم المعتادة، ومنها نشر البطاطين صباحًا، إلى جانب الإعلان عن فتح باب العمرة للضباط وأسرهم، والترويج لزيارة مرتقبة لوزير الدفاع المصري إلى رومانيا.
وأضاف أن القوات المصرية كانت تتحرك إلى منطقة القناة قبل الحرب بشهر أو شهرين، ثم تعود بعض الوحدات وتبقى أخرى، بما جعل تلك التحركات تبدو اعتيادية ولا تكشف عن استعداد فعلي لشن عملية عسكرية.
وأشار فرج إلى أن الرئيس الراحل أنور السادات وجه رسالة إلى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، أكد خلالها أن مصر لا تستطيع خوض حرب مع إسرائيل دون امتلاك أسلحة هجومية، موضحًا أن مثل هذه الرسائل والتحركات كانت جزءًا من الخداع الاستراتيجي الموجه للجانب الإسرائيلي.
وأكد أن التدريبات والتحركات العسكرية جرى تنظيمها بصورة حافظت على سرية موعد الحرب، إذ كانت وحدات تتحرك إلى الجبهة ثم تعود أخرى، بما يصعب تحديد الهدف الحقيقي لهذه التحركات، كما لم يتم السماح بتوثيقها إعلاميًا بصورة تكشف طبيعة الاستعدادات.
وأوضح فرج أن اختيار السادس من أكتوبر جاء بالتزامن مع عيد الغفران لدى الإسرائيليين، وهو ما صعّب عملية تعبئة قوات الاحتياط، كما أن اختيار العاشر من رمضان كان عنصرًا إضافيًا في الخداع، باعتبار أن الجانب الإسرائيلي لم يتوقع شن هجوم خلال شهر رمضان.
ولفت إلى أن توقيت الهجوم روعي فيه كذلك عامل الإضاءة وطبيعة العمليات، حيث بدأت الموجات الأولى من العبور خلال فترة الظهيرة، ثم جرى العمل على فتح الكباري مع حلول الظلام، قبل عبور الدبابات دون استخدام الأنوار، مؤكدًا أن عنصر المفاجأة أثر بصورة مباشرة في سير العمليات خلال الساعات الأولى.
ومن جانبه، أكد اللواء محمد زكي الألفي، المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، أن خطة الخداع الاستراتيجي لم تكن مسؤولية القوات المسلحة وحدها، وإنما شاركت فيها أجهزة ومؤسسات الدولة المختلفة، بهدف الحفاظ على سرية موعد الحرب وإرباك تقديرات الجانب الإسرائيلي.
وأوضح أن الإعلام كان أحد المحاور الرئيسية في الخطة، مشيرًا إلى أن الدكتور عبد القادر حاتم، وزير الإعلام آنذاك، شدد على ضرورة الالتزام بالدقة والمصداقية في البيانات والتصريحات المنشورة عبر وسائل الإعلام والصحافة، وعدم المبالغة أو التهويل في نقل المعلومات.
وأشار الألفي إلى أن الجانب السياسي والدبلوماسي كان حاضرًا ضمن خطة الخداع، موضحًا أن وزير الخارجية المصري توجه إلى الولايات المتحدة لبحث سبل وقف العدوان والتأكيد على سعي مصر إلى السلام، بالتزامن مع الاستعدادات العسكرية للحرب.
وأضاف أن الخطة امتدت إلى مجالات أخرى، من بينها القطاع الزراعي، حيث جرى استقدام مضخات مياه ذات قوة دفع عالية وظهرت على أنها مخصصة لأغراض زراعية، بينما استخدمت فكرتها لاحقًا في تنفيذ عملية فتح الثغرات بالساتر الترابي على قناة السويس.
وعلى المستوى العسكري، أوضح الألفي أن رفع وخفض درجات الاستعداد القتالي أكثر من مرة ساهم في إرباك تقديرات الجانب الإسرائيلي، وجعله يعتقد أن التحركات المصرية لا تمثل استعدادًا فعليًا لبدء الحرب، خاصة أن رفع الاستعداد كان يترتب عليه أعباء وتكاليف كبيرة.
وأكد أن اختيار السادس من أكتوبر والساعة الثانية ظهرًا لبدء الهجوم كان من أبرز عناصر المفاجأة، لافتًا إلى أن الجيوش عادة ما تفضل أوقاتًا مثل أول ضوء أو آخره لتنفيذ العمليات، بينما جاء التوقيت المصري مختلفًا، بعد دراسات دقيقة لطبيعة قناة السويس وتغيرات المياه وسرعة التيار.
وأشار إلى أن القوات المسلحة نفذت مناورة عسكرية كبيرة انتهت في الخامس من أكتوبر، وكانت معلومة للجانب الآخر، وهو ما جعل التحركات العسكرية تبدو امتدادًا للمناورة وليس استعدادًا لحرب وشيكة، موضحًا أن بعض العناصر المشاركة في الاستعدادات لم تكن تعرف الموعد النهائي لبدء العمليات.
وأوضح أن أحد مبادئ الخداع الاستراتيجي يتمثل في ألا يدرك الشخص الذي ينفذ الإجراء أنه جزء من خطة خداع، بحيث يتعامل مع مهمته باعتبارها تكليفًا عسكريًا اعتياديًا، وهو الأسلوب الذي اتبع في عدد من التحركات والاستعدادات السابقة للحرب.
وشدد الألفي على أن المعلومات والاستخبارات تمثل عنصرًا حاسمًا في إدارة الحروب، مشيرًا إلى أن الحروب الحديثة أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على المعلومات التي تتيح رصد تحركات الخصم وتحديد أهدافه واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت الملائم.
وتطرق إلى خط بارليف، موضحًا أنه لم يكن مجرد ساتر ترابي، وإنما منظومة دفاعية متكاملة ضمت مواقع حصينة وموانع وملاجئ وأسلحة وخطوط دفاعية واحتياطيات قريبة ومتوسطة وبعيدة، وهو ما جعل اقتحامه تحديًا كبيرًا أمام القوات المصرية.
وأشار إلى أن المهندس المصري اللواء باقي زكي يوسف طرح فكرة استخدام خراطيم المياه ذات قوة الدفع العالية لإزالة أجزاء من الساتر الترابي وفتح ممرات تسمح بإنشاء الكباري الثقيلة وعبور القوات المصرية إلى الضفة الشرقية للقناة، لتصبح الفكرة أحد الحلول المهمة للتغلب على العائق الترابي.
وأكد الألفي أن نجاح عملية العبور لم يكن قائمًا على عنصر واحد، وإنما جاء نتيجة منظومة متكاملة شملت الضربة الجوية والتمهيد النيراني والتنسيق بين مختلف أفرع القوات المسلحة، موضحًا أن نحو 200 طائرة شاركت في الضربة الجوية.
وأضاف أن التمهيد النيراني استمر نحو 53 دقيقة، باستخدام أكثر من ألفي قطعة مدفعية، بالتزامن مع تنفيذ باقي عناصر الخطة، بما ساهم في تدمير التحصينات وفتح الطريق أمام القوات المصرية للعبور.
ولفت إلى أن حائط الصواريخ التابع لقوات الدفاع الجوي حرم الجانب الإسرائيلي من إحدى أهم المزايا التي كان يعتمد عليها، وهي التفوق الجوي، وفرض قيودًا على قدرة الطائرات الإسرائيلية على الاقتراب من منطقة القناة.
وهكذا جاءت عملية عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف نتيجة تخطيط طويل ودراسات دقيقة ومنظومة متكاملة من الخداع الاستراتيجي والمعلومات والتوقيت والمناورة العسكرية، إلى جانب الابتكارات المصرية التي ساهمت في التغلب على التحصينات، لتصبح حرب أكتوبر واحدة من أبرز التجارب العسكرية التي ما زالت تحظى بالدراسة في الأكاديميات العسكرية.




