المستشار علي السيد الفيل يستعرض الضمانات القانونية لحماية الشرعية الحزبية
كثيراً ما يحدث أن لجنة شئون الأحزاب السياسية تقبل مخاطبات أو أوراقاً تتعلق بالحزب من شخص غير ممثله القانوني الشرعي (رئيس الحزب المقيد في سجلاتها)، وتُصدر بناءً على ذلك إفادات أو شهادات رسمية بوجود “نزاع على رئاسة الحزب”، فإن هذا التصرف يمثل خطأً مسلكياً وإخلالاً جسيماً بالضوابط والواجبات الإدارية والقانونية التي فرضها عليها قانون الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977 وتعديلاته.
إن قبول اللجنة لمخاطبات من غير الممثل القانوني وإصدارها إفادة بوجود نزاع يُعد تجاوزاً فادحاً لصلاحياتها الإدارية والرقابية المحددة في القانون.
وهذا الإجراء لا يغير من الحقيقة القانونية لصفة رئيس الحزب القائم، ويفتح الباب فوراً لإلغائه قضائياً أمام المحكمة الإدارية العليا مع تحميل المتسببين بالمسئولية القانونية الكاملة.
وفي هذه الحالة، تترتب الآثار والتداعيات القانونية والمسارات القضائية التالية:
أولاً: بطلان وانعدام الإجراء الإداري للجنة
إن قبول اللجنة لمخاطبات من شخص لا يملك الصفة القانونية، وإصدار إفادة بوجود نزاع بناءً عليها، يعد قراراً إدارياً باطلاً بطلاناً مطلقاً لصدوره مشوباً بـ “عيب غصب السلطة” ومخالفة قواعد الصفة؛ ذلك أن القانون حدد على سبيل الحصر أن رئيس الحزب المقيد بإخطار رسمي سابق هو وحده دون غيره من يملك تمثيل الحزب ومخاطبة اللجنة.
ومن ثم لا يجوز للجنة أن تنزع الصفة عن رئيس الحزب القائم أو تفرض حالة “النزاع” بمجرد تلقي شكاوى أو مكاتبات من أفراد لا يمثلون الحزب رسمياً.
حيث تنص المادة (10) صراحة على أن:
“رئيس الحزب هو الذي يمثله في كل ما يتعلق بشئونه أمام القضاء أو أمام أية جهة أخرى أو في مواجهة الغير.”
كما تنص المادة (16) على أن الحزب يلتزم بإخطار اللجنة بكتاب موصى عليه بعلم الوصول بأي قرار يصدره بتغيير رئيسه، وطالما لم يصدر هذا الإخطار الرسمي من الهيئة العليا للحزب، تظل صفة التمثيل حكراً على الرئيس المقيد.
ثانياً: حق رئيس الحزب في الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا
بما أن الإفادة الصادرة من اللجنة بوجود “نزاع” تترتب عليها آثار قانونية سلبية تحرم الحزب ورئيسه الشرعي من مباشرة حقوقهما السياسية والمالية، فإن هذه الإفادة تُكيف قانوناً بأنها “قرار إداري سلبي أو إيجابي ضار”، ويحق لرئيس الحزب الشرعي الطعن عليه بالبطلان.
حيث يقيم رئيس الحزب دعوى أمام الدائرة الأولى للمحكمة الإدارية العليا (باعتبارها المحكمة المختصة بقرارات ومنازعات الأحزاب) بطلب “وقف تنفيذ وإلغاء قرار اللجنة وقبولها مخاطبات من غير ذي صفة، وإلغاء الإفادة الصادرة بوجود نزاع”.
وتقضي المحكمة بإلغاء إفادة اللجنة، وتؤكد على استمرار الصفة القانونية للرئيس المقيد بسجلاتها، مستندة إلى أن جهة الإدارة (اللجنة) لا تملك سلطة خلق منازعات وهمية أو إسقاط تمثيل رئيس الحزب بناءً على طلبات ممن لا صفة لهم.
ثالثاً: غل يد اللجنة عن التدخل في الشئون الداخلية للحزب
تواترت أحكام المحكمة الإدارية العليا في مصر على أن لجنة شئون الأحزاب هي “جهة إيداع وإخطار وليست جهة اعتماد أو تدخّل في الإرادة الداخلية للأحزاب”.
فإذا ثار خلاف داخلي بين أعضاء الحزب، فإن الفصل فيه ينعقد إما للائحة الداخلية للحزب والقواعد الديمقراطية المعمول بها فيه، أو للقضاء المستعجل وقضاء مجلس الدولة؛ ولا تملك اللجنة تنصيب نفسها حكماً للفصل في النزاع أو إصدار إفادات بوجوده تؤدي إلى تجميد نشاط الحزب.
وذلك لأن المادة (5 البند خامساً) أوجبت أن يتضمن النظام الداخلي للحزب قواعد واختصاصات التشكيلات والقيادات ومباشرة النشاط على أساس ديمقراطي.
وبالتالي، فإن القواعد الداخلية للحزب هي الحكم في صحة القرارات، وليس قبول اللجنة لمخاطبات عشوائية.
رابعاً: المساءلة الجنائية والمدنية للأشخاص غير ذوي الصفة
الشخص الذي انتحل صفة ممثل الحزب، أو خاطب اللجنة باسم الحزب دون تفويض رسمي أو سند من اللائحة الداخلية، تقع تصرفاته تحت طائلة المساءلة القانونية.
جنائياً
يحق لرئيس الحزب الشرعي تقديم بلاغ للنيابة العامة ضد هذا الشخص بتهمة “اصطناع محررات غير مشروعة، وانتحال صفة” للتأثير على المركز المالي والسياسي للحزب المعامل معاملة الأموال العامة.
(حيث تنص المادة 14 على أن أموال الحزب في حكم الأموال العامة، والقائمين على شئونه في حكم الموظفين العموميين في تطبيق قانون العقوبات).
مدنياً
يحق للحزب المطالبة بالتعويض المادي والأدبي عن الأضرار الناجمة عن عرقلة نشاط الحزب بسبب الإفادة الباطلة الصادرة بناءً على هذه المخاطبات الزائفة.
خامساً: بطلان أي إجراء مالي أو إداري خارجي يُبنى على هذه الإفادة
إذا حاولت الجهات الخارجية (كالبنوك المودع بها أموال الحزب، أو جهات النشر والطباعة) تجميد حسابات الحزب أو التعاملات معه استناداً إلى تلك الإفادة الصادرة من اللجنة بوجود نزاع؛ فإن هذا الإجراء يكون باطلاً تبعاً لبطلان الإفادة ذاتها.
ويمكن لرئيس الحزب استصدار حكم قضائي مستعجل بتمكينه من إدارة أموال الحزب ومقاره لحين الفصل في أصل بطلان قرار اللجنة.
حيث إن قانون نظام الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977 (ولا أي من تعديلاته) لم يُلزم الحزب بالحصول على إفادة من لجنة شئون الأحزاب كشرط إلزامي لفتح حساب بنكي.
إن النص القانوني وضع التزامات مباشرة ومحددة على الحزب بشأن أمواله وإيداعها دون اشتراط هذه الإفادة، وذلك على النحو الآتي:
1- النص القانوني المنظم لإيداع أموال الحزب
تنص المادة (12 الفقرة الثانية) من القانون صراحة وبشكل مباشر على الآتي:
“ويجب على الحزب أن يودع أمواله في أحد المصارف المصرية وأن يمسك دفاتر منتظمة للحسابات تتضمن إيرادات الحزب ومصروفاته طبقاً للقواعد التي يحددها نظامه الداخلي.”
هذا النص يمثل أمراً تشريعياً إلزامياً للحزب بفتح الحساب في بنك مصري، دون أن يعلق هذا الإجراء أو يقيده بضرورة صدور موافقة أو إفادة مسبقة من لجنة شئون الأحزاب.
2- مستندات فتح الحساب وفقاً للاتساق القانوني
تأسيساً على أحكام هذا القانون، فإن المستندات الرسمية التي تثبت مشروعية الحزب وصفة ممثله القانوني لفتح الحساب البنكي تتمثل في:
- الجريدة الرسمية التي نُشر فيها قرار عدم الاعتراض على تأسيس الحزب أو الحكم القضائي الصادر بإنشائه (وفقاً للمادة 8 الفقرة 9).
- النظام الأساسي واللائحة الداخلية للحزب المقرة والمودعة (وفقاً للمادة 5 والمادة 7).
- الإخطار الرسمي الأخير بتشكيل الهيئة العليا واختيار رئيس الحزب والمصحوب بـ”علم الوصول” والمودع لدى اللجنة (وفقاً للمادة 16).
3- كيف يُستغل هذا الفراغ التشريعي بشكل تعسفي؟
رغم أن القانون لا يشترط هذه الإفادة، ورغم أن لجنة الأحزاب هي “جهة إخطار وإيداع وليست جهة اعتماد”؛ إلا أنه من الناحية العملية والمصرفية، قد تطلب بعض البنوك (كإجراء احترازي داخلي خاص بها لتطبيق قواعد “اعرف عميلك”) شهادة حديثة من اللجنة تفيد باستمرار صفة رئيس الحزب لتفادي فتح حسابات لأشخاص قد يكونون قد فُصلوا أو تغيرت صفتهم.
وهنا نعود لمربع الإخلال الجسيم؛ فإذا استغلت اللجنة هذا الإجراء المصرفي، وأصدرت إفادة بـ”وجود نزاع” بناءً على شكاوى من غير ذي صفة، وتسببت في تجميد أو عرقلة فتح حساب الحزب، فإنها تكون قد خالفت صريح المادة (12) التي تأمر الحزب بإيداع أمواله، ويكون الحزب أمام “قرار سلبي معرقل لنشاطه الحزبي والمالي”، مما يعطي رئيس الحزب الحق فوراً في:
- إلزام البنك بفتح الحساب استناداً إلى نصوص القانون، والجريدة الرسمية، واللائحة دون غيرها.
- الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا ضد اللجنة لإلغاء أي عقبة إدارية أو إفادة باطلة تعطل حقه في تنفيذ المادة (12) من القانون.





