كلمة المستشار الدكتور محمد سمير زبديه الأمين العام للاتحاد العربي للتحكيم في المنازعات الاقتصادية والاستثمار في مؤتمر (( رواد الأعمال ))

بسم الله الرحمن الرحيم
حين نتحدث عن رواد الأعمال، فإننا نتحدث عن طاقة خلاقة تسعى إلى تحويل الأفكار إلى مشروعات، والمبادرات إلى قيمة اقتصادية، والطموح الفردي إلى أثر يمتد إلى المجتمع والدولة.
لكن الفكرة المتميزة وحدها لا تكفي، كما أن التمويل وحده لا يصنع مشروعًا مستقرًا. فكل نشاط اقتصادي يتحرك داخل شبكة من العلاقات والالتزامات والمخاطر، تبدأ منذ لحظة التأسيس، وتمتد إلى الشراكة والتمويل والتوريد والتوزيع والتوسع في الأسواق.
ومن هنا تأتي أهمية الوعي القانوني في حياة المشروع. فالعقد الجيد لا يُكتب انتظارًا للنزاع، وإنما يُكتب لمنع النزاع، وتنظيم العلاقة، وتحديد المسؤوليات، وحماية التوازن بين الأطراف.
والتحكيم، في هذا الإطار، ليس مجرد إجراء يُلجأ إليه عند وقوع الخلاف، بل هو جزء من ثقافة الاستثمار الرشيد. فهو يمنح الأطراف وسيلة متخصصة ومرنة لمعالجة المنازعات، ويوفر لهم قدرًا أكبر من الثقة في أن الخلاف، إذا وقع، لن يؤدي بالضرورة إلى انهيار المشروع أو تعطيل النشاط.
إن المستثمر لا يبحث فقط عن السوق والربح، بل يبحث كذلك عن اليقين. يريد أن يعرف أن التزاماته محددة، وأن حقوقه قابلة للحماية، وأن الدولة والمؤسسات قادرة على توفير بيئة تحترم التعاقد وتضمن التنفيذ.
ولهذا فإن التحكيم يرتبط ارتباطًا مباشرًا بجاذبية الاستثمار. فكلما كانت منظومة تسوية المنازعات أكثر كفاءة ووضوحًا، زادت الثقة في بيئة الأعمال، وأصبح القرار الاستثماري أكثر اطمئنانًا واستقرارًا.
ومن موقعنا في الاتحاد العربي للتحكيم في المنازعات الاقتصادية والاستثمار، نؤمن بأن بناء ثقافة التحكيم يبدأ قبل نشوء النزاع، من خلال التوعية، والتدريب، وتحسين الصياغة التعاقدية، وإعداد كوادر قادرة على الجمع بين المعرفة القانونية والفهم الاقتصادي.
كما نؤمن بأن رواد الأعمال يجب أن يكونوا في قلب هذه الثقافة، لأن المشروعات الناشئة كثيرًا ما تكون أكثر تعرضًا لمخاطر العقود غير المتوازنة، أو الشراكات غير المنظمة، أو التوسع غير المدروس.
وقد تكون مشكلة قانونية واحدة كافية لإيقاف مشروع صغير، بينما تستطيع الشركات الكبرى تجاوزها بمواردها وخبراتها. ومن هنا فإن تمكين رائد الأعمال قانونيًا لا يقل أهمية عن تمويله أو تدريبه إداريًا.
كما أن المرحلة المقبلة تفرض علينا تطوير أدوات التحكيم بما يتناسب مع طبيعة الاقتصاد الحديث. فالمنازعات لم تعد جميعها تقليدية، بل أصبحت تمتد إلى التجارة الإلكترونية، والمنصات الرقمية، والعقود الذكية، والبيانات، والملكية الفكرية، والخدمات العابرة للحدود.
وهذا يفرض إعداد جيل جديد من المحكمين والخبراء، يمتلكون القدرة على فهم التحولات الاقتصادية والتقنية، والتعامل مع النزاعات المركبة بكفاءة ووعي.
إن مؤتمر «رواد الأعمال» لا يمثل مجرد مناسبة علمية، بل فرصة لفتح حوار حقيقي بين من يصنعون المشروعات ومن يصوغون القواعد ومن يديرون المنازعات.
وهذا الحوار ضروري حتى لا تعمل كل فئة بمعزل عن الأخرى؛ فالقانوني يحتاج إلى فهم احتياجات السوق، ورائد الأعمال يحتاج إلى إدراك أثر قراراته التعاقدية، وصانع القرار يحتاج إلى سماع التحديات العملية التي تواجه المستثمرين.
ونحن نطمح من خلال هذا اللقاء إلى الانتقال من الحديث عن دعم الاستثمار إلى بناء أدوات فعلية لحمايته، ومن الدعوة إلى نشر التحكيم إلى تطوير ممارسات مؤسسية أكثر كفاءة، ومن التدريب النظري إلى إعداد كوادر قادرة على ممارسة التحكيم بمهنية ونزاهة.
إن الاقتصاد لا ينمو بالفرص وحدها، بل بالثقة. والثقة لا تُبنى بالوعود، وإنما بقواعد واضحة، ومؤسسات فعالة، وآليات عادلة لحماية الحقوق.
ومن هنا فإن مسؤوليتنا جميعًا هي أن نعمل على إيجاد بيئة يستطيع فيها رائد الأعمال أن يبتكر، والمستثمر أن يطمئن، والمحكم أن يؤدي رسالته باستقلال وكفاءة.
وفي الختام، أرحب بكم جميعًا، وأتطلع إلى أن تسفر مناقشات هذا المؤتمر عن رؤى عملية ومبادرات جادة تسهم في خدمة رواد الأعمال، وتطوير التحكيم، وتعزيز الاستثمار، ودعم الاقتصاد العربي.




